في رحاب آية
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ}
يسميهم الجنود . إشارة إلى قوتهم واستعدادهم .. هل أتاك حديثهم ؟ وكيف فعل ربك بهم ما يريد ؟ وهما حديثان مختلفان في طبيعتهما وفي نتائجهما .. فأما حديث فرعون ، فقد أهلكه الله وجنده ونجى بني إسرائيل ، ومكن لهم في الأرض فترة .. وأما حديث ثمود فقد أهلكهم الله عن بكرة أبيهم وأنجى صالحا والقلة معه حيث لم يكن لهم بعد ذلك ملك ولا تمكين . إنما هي مجرد النجاة من القوم الفاسقين .. وهما نموذجان لفعل الإرادة ، وتوجه المشيئة . وصورتان من صور الدعوة إلى الله واحتمالاتها المتوقعة ، إلى جانب الاحتمال الثالث الذي وقع في حادث الأخدود .. وكلها يعرضها القرآن للقلة المؤمنة في مكة ، ولكل جيل من أجيال المؤمنين
من هدي النبوة
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر" رواه الترمذي.
هذا الحديث يقتضي خبراً وإرشاداً. أما الخبر، فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه في آخر الزمان يقل الخير وأسبابه، ويكثر الشر وأسبابه، وأنه عند ذلك يكون المتمسك بالدين من الناس أقل القليل. وهذا القيل في حالة شدة ومشقة عظيمة، كحالة القابض على الجمر، من قوة المعارضين، وكثرة الفتن المضلة، فتن الشبهات والشكوك والإلحاد، وفتن الشهوات وانصراف الخلق إلى الدنيا وانهماكهم فيها، ظاهراً وباطناً، وضعف الإيمان، وشدة التفرد؛ لقلة المعين والمساعد. ولكن المتمسك بدينه، القائم بدفع هذه المعارضات والعوائق التي لا يصمد لها إلا أهل البصيرة واليقين، وأهل الإيمان المتين، من أفضل الخلق، وأرفعهم عند الله درجة، وأعظمهم عنده قدراً. وأما الإرشاد، فإنه إرشاد لأمته، أن يوطنوا أنفسهم على هذه الحالة، وأن يعرفوا أنه لا بد منها، وأن من اقتحم هذه العقبات، وصبر على دينه وإيمانه – مع هذه المعارضات – فإن له عند الله أعلى الدرجات. وسيعينه مولاه على ما يحبه ويرضاه؛ فإن المعونة على قدر المؤنة. وما أشبه زماننا هذا بهذا الوصف، الذي ذكره صلى الله عليه وسلم ، فإنه ما بقي من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، إيمان ضعيف، وقلوب متفرقة، وحكومات متشتتة، وعداوات وبغضاء باعدت بين المسلمين، وأعداء ظاهرون وباطنون، يعملون سرًّا وعلناً للقضاء على الدين، وإلحاد وماديات، جرفت بخبيث تيارها وأمواجها المتلاطمة الشيوخ والشبان، ودعايات إلى فساد الأخلاق، والقضاء على بقية الرمق. ثم إقبال الناس على زخارف الدنيا، بحيث أصبحت هي مبلغ علمهم، وأكبر همهم، ولها يرضون ويغضبون، ودعاية خبيثة للتزهيد في الآخرة، والإقبال بالكلية على تعمير الدنيا، وتدمير الدين، واحتقاره والاستهزاء بأهله، وبكل ما ينسب إليه، وفخر وفخفخة، واستكبار بالمدنيات المبنية على الإلحاد التي آثارها وشرها وشرورها قد شاهده العباد. فمع هذه الشرور المتراكمة، والأمواج المتلاطمة، والمزعجات الملمة، والفتن الحاضرة والمستقبلة المدلهمة – مع هذه الأمور وغيرها – تجد مصداق هذا الحديث. ولكن مع ذلك، فإن المؤمن لا يقنط من رحمة الله، ولا ييأس من روح الله، ولا يكون نظره مقصوراً على الأسباب الظاهرة. بل يكون ملتفتاً في قلبه كل وقت إلى مسبب الأسباب، الكريم الوهاب، ويكون الفرج بين عينيه، ووعده الذي لا يخلفه، بأنه سيجعل له بعد عسر يسراً، وأن الفرج مع الكرب، وأن تفريج الكربات مع شدة الكربات، وحلول المنغصات. فالمؤمن من يقول في هذه الأحوال: "لا حول ولا قوة إلا بالله" و"حسبنا الله ونعم الوكيل. على الله توكلنا. اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى. وأنت المستعان. وبك المستغاث. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" ويقوم بما يقدر عليه من الإيمان والنصح والدعوة. ويقنع باليسير، إذا لم يمكن الكثير. وبزوال بعض الشر وتخفيفه، إذا تعذر غير ذلك {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا - وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ - وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. (اهـ نقلا عن كتاب بهجة قلوب الأبرار للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي).
من روائع الشعر
إِني سألتُ القبرَ: ما فعلَتْ * بعدي وجوهٌ فيكَ مُنْعَفِرَهْ
فأجابني: صيَّرْت ريحَهُمُ * تؤذيكَ بعدَ روائحٍ عَطِرَهْ
وأكلتُ أجساداً منعَّمةً * كان النعيمُ يَهُزُّها نَضِرَه
لم أبقِ غيرَ جماجمٍ عَرَتْ * بيضٍ تلوحُ وأعظم نَخِرَهْ
حكمة اليوم
لا تعاديَنَّ أحدا فإنك لا تخلو من عداوة جاهل أو عاقل فالحذر من حكمة العاقل وجهل الجاهل.
من قصص الصالحين
الناس ثلاثة
عن كميل بن زياد قال أخذ علي بن أبي طالب بيدي فأخرجني إلى ناحية الجَبّان فلما أصحرنا جلس ثم تنفس ثم قال: يا كميل بن زياد، القلوب أوعية فخيرها أوعاها للعلم، احفظ ما أقول لك، الناس ثلاثة: عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رَعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق
ابتسامة اليوم
حضر أعرابي عند الحجاج وقدم الطعام فأكل الناس، ثم قدمت الحلواء، فترك الحجاج الأعرابي حتى أكل منه لقمةً، ثم قال: من أكل من هذا ضربت عنقه؛ فامتنع الناس كلهم وبقي الأعرابي ينظر إلى الحجاج مرةً وإلى الفالوذج أخرى، ثم قال: أيها الأمير، استوص بأولادي خيراً، ثم اندفع يأكل. فضحك الحجاج حتى استلقى وأمر له بصلة.
دعاء اليوم
اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الهُدَى والتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكرا جزيلا وبارك الله فيكم